ابن قتيبة الدينوري
10
تفسير غريب القرآن
وغرضنا الذي امتثلناه في كتابنا هذا : أن نختصر ونكمل ، وأن نوضّح ونجمل ، وأن لا نستشهد على اللفظ المبتذل « 1 » ، ولا نكثر الدّلالة على الحرف المستعمل ، وأن لا نحشو كتابنا بالنحو وبالحديث والأسانيد . فإنّا لو فعلنا ذلك في نقل الحديث : لاحتجنا إلى أن نأتي بتفسير السلف - رحمة اللّه عليهم - بعينه ، ولو أتينا بتلك الألفاظ كان كتابنا كسائر الكتب التي ألفها نقلة الحديث ، ولو تكلّفنا بعد اقتصاص « 2 » اختلافهم ، وتبيين معانيهم ، وفتق جملهم بألفاظنا ، وموضع الاختيار من ذلك الاختلاف ، وإقامة الدلائل عليه ، والإخبار عن العلة فيه - : لأسهبنا « 3 » في القول ، وأطلنا الكتاب ، وقطعنا منه طمع المتحفّظ وباعدناه من بغية المتأدّب ، وتكلّفنا من نقل الحديث ، ما قد وقيناه وكفيناه . وكتابنا هذا مستنبط من كتب المفسرين ، وكتب أصحاب اللغة العالمين . لم نخرج فيه عن مذاهبهم ، ولا تكلّفنا في شيء منه بآرائنا غير معانيهم ، بعد اختيارنا في الحرف أولى الأقاويل في اللغة ، وأشبهها بقصة الآية . ونبذنا منكر التأويل ، ومنحول التفسير . فقد نحل قوم ابن عباس ، أنه قال في قول اللّه جل وعزّ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [ سورة التكوير آية : 1 ] : إنها غوّرت ، من قول الناس بالفارسية : كور بكرد .
--> ( 1 ) البذلة والمبذلة : ما يمتهن من الثياب ، وابتذال الثوب وغيره امتهانه والتبذّل : ترك التصاون . ( انظر الصحاح ص 1632 ) . ( 2 ) قص أثره : تبعه من باب رد وقصصا أيضا ، ومنه قوله تعالى : فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً والقصّة الأمر والحديث ، وقد اقتص الحديث : رواه على وجهه ( انظر مختار الصحاح ص ( 538 ) . ( 3 ) أسهب : أكثر الكلام فهو مسهب بفتح الهاء ولا يقال بكسر الهاء وهو نادر ( انظر مختار الصحاح ص 318 ) .